بعد اكتمال القواعد ومعالجتها تبدأ المرحلة الرابعة من مراحل توثيق المسجد، وهي بناء الهيكل. والأعمدة هي عصب هذه المرحلة، إذ تنقل حمل السقف والجدران إلى الأساسات، وتحدد في الوقت نفسه شكل المصلى من الداخل وعدد الصفوف الصالحة للاستخدام.
من الأشاير إلى القالب
تبدأ أعمال العمود من أشاير الحديد التي رُبطت في القاعدة قبل صبها. تُقام أقفاص التسليح فوق هذه الأشاير بأطوال التغطية المطلوبة، وتُوزَّع الكانات على امتداد العمود بتقارب أكبر عند طرفيه لأنهما الموضعان اللذان تتركز عندهما الإجهادات. ثم يُركَّب القالب ويُضبط رأسيًا من اتجاهين قبل الصب، لأن أي ميل يظهر في العمود يتضاعف أثره في السقف الذي يستند إليه. وتُراجع قبل الإغلاق أقطار الحديد وعدده والمسافة بين الكانات، فهذه مراجعة لا يمكن تكرارها بعد أن تُصب الخرسانة.
الصب والمعالجة
تُصبّ الخرسانة المسلحة على مراحل متتابعة مع الرج المستمر، حتى لا تتكوّن فواصل باردة داخل المقطع ولا تبقى فراغات حول الحديد. وبعد فك القوالب تُعالج الأعمدة بالماء مدة كافية، ولا يُحمَّل عليها السقف قبل انقضاء هذه المدة. هذا الانضباط في التتابع هو ما يجعل مدة تنفيذ المسجد من تسعة إلى اثني عشر شهرًا، وليست أسابيع كما قد يُظن من مشاهدة صور المراحل متتابعة في مجلد المشروع.
الجسور والربط الأفقي
الأعمدة وحدها لا تصنع هيكلًا. تُربط رؤوسها بجسور خرسانية تنقل حمل السقف إليها جميعًا بدل أن يتحمله عمود دون آخر، وتمنع حركة الأعمدة كلٌّ في اتجاه. وهذا الربط هو ما يسمح بفتح بحور أوسع داخل قاعة المصلى وتقليل عدد الأعمدة الداخلية قدر الإمكان.
توزيع الأعمدة داخل المصلى
الأعمدة الداخلية تقطع الصفوف، ولهذا يُدرس توزيعها على المخطط بحيث تقع في المواضع الأقل تأثيرًا على اصطفاف المصلين واتجاه القبلة. وكلما اتسعت المساحة زادت الحاجة إلى شبكة أعمدة أكثر، وهو ما يظهر في الفرق بين مسجد بمساحة أربعة وستين مترًا مربعًا يتسع لمئة وعشرين مصليًا في النيجر، وجامع بمساحة مئتين وخمسين مترًا مربعًا يتسع لخمسمئة مصلٍّ في بنغلاديش. والسعة المعتمدة في مشاريعنا تقارب مصلّيَين لكل متر مربع، وهي سعة لا تتحقق إن وقعت الأعمدة في مواضع تقطع الصفوف.
ما يُنجز مع الأعمدة قبل التشطيب
- تحديد فتحات النوافذ والأبواب في الجدران بين الأعمدة قبل بناء الطوب.
- تمرير مواسير التمديدات الكهربائية داخل الجدران والأعمدة قبل اللياسة.
- تجهيز مسار كابلات النظام الصوتي حتى موضع السماعات الخارجية على المنارة.
- ربط الجسور الأفقية بين رؤوس الأعمدة لتوزيع حمل السقف عليها جميعًا.
الأعمدة والمنارة
منارة المسجد بطول سبعة أمتار ليست عنصرًا مضافًا على المبنى بعد اكتماله، بل يبدأ حملها من الأساس نفسه. ولهذا تُحدَّد أعمدتها ضمن المخطط الإنشائي منذ البداية، ويُراعى استمرار حديدها مع هيكل المبنى حتى لا تنشأ فواصل ضعيفة عند التقاء المنارة بالسقف.
المراجعة والتوثيق
تُراجع الأعمدة قبل الصب من حيث أقطار الحديد وعدد الكانات واستقامة القالب، وتُراجع بعده من حيث استواء السطح وخلوه من التعشيش. وتُصوَّر أقفاص التسليح مكشوفة قبل تركيب القوالب، وتُرفع الصور والفيديو في مجلد المشروع مع إحداثياته، ليكون لدى العميل توثيق للهيكل في حالته المكشوفة قبل أن تغطيه اللياسة والدهان.
لماذا نصرّ على الخرسانة المسلحة
البناء بالطوب الحامل أسرع وأقل عملًا، لكنه يقيّد المساحات المفتوحة ويقلل مقاومة المبنى للرطوبة والحركة. ومواصفتنا المعتمدة في مساجد بنغلاديش هي خرسانة مسلحة كاملة تشمل الأساسات والأعمدة والسقف، لأن المسجد يُسلَّم ليعمل عقودًا لا سنوات، ولأن أهل القرية لا يملكون غالبًا وسيلة لإصلاح هيكل مختل بعد التسليم.
ابدأ مشروعك
اختر نوع المشروع والدولة والمواصفات، وتابع تنفيذه مرحلةً بمرحلة.